اللاذقية – بتول العلي

في طريق عودتها الى قريتها بريف جبلة، تئن مرام تحت وطأة حمل ثقيل من أكياس الأرز والسكر التي حصلت عليها بعد جلسة الدعم النفسي في مقر الهلال الأحمر السوري بمدينة اللاذقية. تندم حين تتذكر الخوف الذي تملكها عندما طلب منها احد المتطوعين ملاقاته خارج المقر، أفكار شريرة داهمتها وسيطرت على رأسها، وبدأت فعلا بتجهيز نفسها لتنهال عليه بكيل من الشتائم في حال تحرش بها، لتتفاجأ به وهو يضع في أيدي طفليها حصصا من البسكويت الذي توزعه الأمم المتحدة كمعونة مجانية لتلاميذ المدارس، طالبا منها ألا تحضرهما الى المقر مرة أخرى، نظرا للضجة التي أحدثاها في هذه الجلسة.

ابنة الثانية والعشرين عاما ذات الملامح الناعمة والجسد الضئيل، استيقظت في إحدى صباحات شهر كانون الأول عام 2013على أصوات نحيب وصراخ عال، لقد وصل خبر مقتل زوجها مهيار على جبهة في ريف دمشق، فمنحت بذلك رسميا لقب أرملة “الشهيد”، مهيار الذي  تزوجها قبل ثلاثة أعوام بعد قصة حب عاصفة وعدها خلالها انه لن يتخلى عنها أبدا، و سيبقى سندها وحاميها وأمانها، لكنه خلف بوعده سريعا، وفضل التطوع في ميليشيا الدفاع الوطني لقتال “الارهابيين” عن رعاية اسرته، رغم توسلاتها الكثيرة له للبقاء بجانبها وحمايتها كما وعد، ليعود لها بعد أقل من عام قتيلا مقطع الأوصال، ملفوفا بعلم أحمر، ويدفن دون السماح لها برؤيته للمرة الأخيرة نظرا لتشوه جثمانه.

مخاوف مرام من الجنس الآخر وارتيابها منه تولّد بعد أول حادثة تحرش حصلت معها منذ عامين، كان ذلك في مقر الدفاع الوطني بمدينة اللاذقية، عندما طلب منها أحد المتطوعين في الميليشيا ان ترافقه الى الغرفة الداخلية لأخذ الحصة الغذائية التي وعدها بها منذ شهرين، وجعلها تتردد الى المقر أكثر من مرة بحجة استلامها، كان يعلم جيدا انها تحتاجها، وانها ستقطع مسافات طويلة للحصول عليها، ولم ترى بدورها مانعا من عقد صداقة معه، عله يساعدها في تأمين معونة صعبة المنال لأطفالها، لكن التصاق جسده بها وهما داخل الغرفة، وجمودها في هذه اللحظة، دفعت الشاب للمضي قدما في عملية التحرش، فهو لم يفهم ان هذا الجمود كان بمثابة استجابة لأول صدمة تعرضت لها بعد حملها لقب “أرملة” لقتيل من متطوعي الدفاع الوطني، كان يقول عن رفاقه المتطوعين انهم ” إخوته في الدم”، مرددا أمامها دائما جملته الشهيرة كلما طلبت منه ترك القتال والبقاء بجانبها،” شو بدك ياهن يجوا ويدبجونا”، “هاهم يذبحوننا فعلا يا زوجي العزيز، ليس الارهابيون كما ظننت، بل إخوتك في الدم”، تردد مرام في سرها كلما تذكرت هذه الحادثة.

لن تنسى مرام تلك الصفعة التي تلقتها من والد زوجها عندما علم بتقدم عريس لطلب يدها. صراخه وهو يهددها بحرمانها من رؤية طفليها في حال وافقت على الزواج ما زال يرن في أذنها، كلماته عندما قال لها ” بدك تبيعي دم ابني يا عايبة” كانت بمثابة طعنة احترقت صدرها، وزاد الأمر سوءا امتناع ذويها عن الدفاع عنها، مما جعلها تنسى موضوع الزواج تماما، “فالتقاليد الجديدة” كما تصفها مرام، تحرم على  ارملة “الشهيد” الزواج بآخر، والا ستعتبر خائنة وناسية لتضحيات زوجها وبطولاته، وسيحل العار على أطفالها حتى يكبروا، فتراها تقول ساخرة: كلما سمعت أن أرامل المسلحين يتم تزويجهن على الفور لأول عريس يطرق بابهن ليتخلصن من وزرهن، أتمنى لو كان زوجي ارهابيا، كنت حصلت على حقي في الزواج على الأقل.

تضحك مرام عند سؤالها عن سبب ارتدائها المستمر للملابس السوداء وعدم وضعها مساحيق التجميل، تؤكد ان” ارتداء الأرملة للملابس الملونة واظهارها أي بادرة فرح او ضحك يعتبر عيبا في التقاليد الجديدة التي ولدتها الحرب السورية”، نافية ان يكون قد شجعها أحد مسبقا على تغيير هذه الهيئة والعودة لحياتها الطبيعية وان كان في الحد الادنى، تردد على الدوام ان هذا الطرح مستبعد تماما فهي زوجة “الشهيد”، عليها ان تحافظ على حزنها، وان تبقى جاهزة للشكوى واستدرار عطف الآخرين لمنح النقود لأطفالها والشفقة عليهم. وضع حاولت مرام التمرد عليه بالتسجيل في دورة مهنية لتعليم الخياطة مجانا لشريحة ” الأرامل” التي تنتمي اليها، علها تجد فرصة عمل تدر عليها بعض الأموال، على اعتبار ان العمل ما زال خارج قائمة المحظورات المقروضة عليها كأرملة.

لا توجد احصائيات او دراسات دقيقة تدل على مقدار تعرض النساء للعنف الجنسي، “الجسدي او اللفظي” في المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري، ولا يتم تناول هذا الموضوع بأريحية حتى الآن لاعتبارات اجتماعية، او لتضييق النظام على تحركات الناشطين في هذا المجال، تؤكد ريم رجب التي أسست قبل سفرها الى فرنسا اواخر عام 2015 جمعية ” نون” لضحايا العنف من نساء واطفال في اللاذقية أن ” غالبية هذه الشريحة  من أرامل الجيش والقوى المساندة له، تتراوح اعمارهن بين العشرينات واوائل الثلاثينات، اغلبهن لم يعشن فترة طويلة مع ازواجهن ، ويعانين بعد وفاته من  وصاية أهله على أولادها، كما يشاطرونها جميع التعويضات في حال كان زوجها عسكريا، وبحكم ان اغلب المقاتلين والمتطوعين من ابناء القرى فستكون الأرملة مقيمة في منزل الاسرة  او في البناء ذاته في أحسن الأحوال، أي أن تحركاتها محسوبة ومراقبة، وفي حال كانت مستقلة عنهم فان المجتمع سيمارس عليها هذه الوصاية، ليمنعها حتى من مجرد الابتسام، والا ستتهم على الفور انها نسيت تضحيات زوجها وباعت دمائه”.

تلفت ريم الى ان عدد الإناث في هذه القرى الساحلية بات يفوق عدد الذكور بكثير، كما تنوه ان ” ثلثي الشباب القادر على الزواج من أبناء القرى قد قتلوا على مختلف الجبهات”، لذلك يمكن ان تتعرض الأرملة أحيانا للحصار من قبل السيدات أكثر من الرجال الكبار في السن، بحجة انهم يحمون الأرملة ويصونون سمعتها، كما ان سهولة إطلاق الأحكام والتقييمات في هذه المجتمعات الريفية وغير الريفية أيضا يضع الأرملة تحت ضغط أكبر، فتضطر للرضوخ والاستسلام كي تعيش بسلام بعيدا عن الأقاويل.

وتتابع رجب قائلة: عندما أسست الجمعية عام 2015 صدمت بالعدد الهائل من النساء الأرامل والمطلقات اللواتي يحتجن مساعدات كبيرة وضخمة في عدة محاور، من تأهيل وتوعية ودعم مادي وقانوني وصحي، صحيح ان هناك اشخاص يعملون ما بوسعهم لكن بإمكانات ضعيفة ومحدودة,  يمكن القول ان الجمعيات لا تتعامل بجدية مع قضايا هؤلاء النسوة، فالعمل الصحيح المثمر يحتاج كوادر مؤهلة ومدعومة ماديا مع هامش للتحرك، وهي شروط لا تتوفر على شكل واسع في مناطق النظام”.

في مقر رابطة أبناء وبنات الشهداء في اللاذقية بضاحية تشرين، المكان الوحيد في اللاذقية الذي تكفل بتقديم خدماته  التعليمية والمهنية لمختلف ذوي القتلى مهما كان تصنيفهم، تجلس مرام في غرفة الخياطة، الورشة التي اختارت الانخراط فيها لتعلم حرفة تقيها شر السؤال، فقر حال أسرتها منعها من الحصول على تعليم عال يؤمن لها وظيفة في مكان ما، حالها كحال الكثيرات من متدربات الورشة التي يطغى عليها العنصر النسائي، قرابة اربعين سيدة  يشاركنها الصفوف، نصفهن أرامل ، وأخريات توزعن ما بين ام وأخت لقتيل او جريح، لكن اللافت ان اغلبهن من ذوي قتلى الدفاع الوطني، الذي لا يدرج قتلاه في قوائم القتلى ” العسكريين” ، بل يعتبرون مدنيي التصنيف، مما يخفض بشكل كبير المزايا الممنوحة لذويهم لاسيما الزوجة والأطفال، فتقتصر التعويضات على آلاف قليلة من الليرات وبعض المساعدات العينية التي تمنح لمرة سنويا مع غياب تام للراتب الشهري.

يعتبر الدكتور مازن زوان رئيس الرابطة في تصاريح صحفية ان ” فئة السيدات هي الأكثر تضررا من ( الأزمة) الحاصلة في البلاد رغم المزاعم بان الرجال هم الخاسر الأكبر”، فمعظم السيدات اللواتي يترددن لدورات الرابطة هن من الريف البعيد، فقيرات الحال ولا يملكن أي تعليم عال على حد قوله، كما ان النظام السوري لم يمنحهن التعويضات بالتساوي بين قتلى القوى الرديفة والعسكريين النظاميين، مما زاد من الظلم الواقع عليهن لاسيما وان قسما كبيرا منهن أصبح فجأة معيلا ومسؤولا عن أسرة دون ان يملكن مهنة تقييهن شر السؤال وهو الأمر الذي تحاول الرابطة تعويضه بإمكانات قليلة ودون دعم يذكر.

جلسة التدريب المهني لا بد ان تتبعها جلسة للدعم النفسي الاجتماعي ضمن مقر الهلال الأحمر العربي السوري في حي الأمريكان وسط مدينة اللاذقية، لا تعلم مرام فائدة هذه الجلسات في حقيقة الأمر، لكن صديقة لها أخبرتها ان المنظمة توزع معونة للأرامل عقب كل جلسة، وهو أقصى أحلام مرام هذه الأيام، يشرد ذهن الشابة أثناء تمارين عملية  تطبقها المتطوعة رباب غازي التي أكدت في حديثها ان “مثل هذه الجلسات مفيدة جدا لحالة مرام وغيرها من الأرامل اللواتي يتعرضن بطبيعة الحال لتعنيف شبه يومي، فالمجتمع غير جاهز بعد لاحتواء هذه الشريحة وتأهيلها كما يجب”.

واضافت رباب:” انتفاء ثقافة الدعم النفسي وادراجه ضمن دائرة المحظورات تعيق من مهام الفرق العاملة في هذا المجال، والتي لا تصل بدورها الى الريف البعيد لقلة الدعم”، لكن رباب تؤكد في الوقت نفسه تسجيل حالات ايجابية   لسيدات تجاوزن مرحلة الصدمة التي تعرضن لها اثر فقدان أزواجهن خلال “الحرب”، لكن يبقى العمل الرئيسي كامنا في تأهيل المجتمع المحيط بهن حول كيفية التعاطي معهن، الأمر الذي ما زالت مؤشرات نجاحه شبه معدومة حتى الآن.

في كل مرة، وأثناء عودة مرام الى قريتها من تدريباتها وجلساتها، تتفقد حقيبتها على عجل، تتأكد من وجود مال يكفيها لدفع أجرة السرفيس الذي يقلها الى قريتها، لا تريد ان يتكرر معها الموقف الذي نسيت فيه نقودها أثناء رحلتها الى اللاذقية منذ شهرين، غلطة كلفتها عرضا مهينا من سائق يعتبر أحد أقاربها الذين يعملون انها  أرملة “شهيد”،  تنهر طفليها عن صراخهما الممل، وتعيد تموضع كنزها الثمين المتمثل بكيسين من الأرز وبعض السكر.