بعد يوم حافل بالعمل منذ الصباح بين متابعة أعمال مكاتب شبكة حماية الطفل في كل من الغوطة الشرقية ودرعا ومتابعة أعمال منزلها ورعاية طفلتيها، تقضي ميمونة العمار ساعات اليوم المتبقية في منزلها الصغير بمدينة دوما مع عائلتها، وتنتظر صباحاً جديداً يحمل أملاً بمستقبل أفضل لعائلتها ولمئات العائلات الأخرى في الغوطة وسوريا التي تذوق ويلات الحرب يوماً تلو الآخر.

العمار، 31 عاماً، والتي تعمل في مجال حماية الطفل داخل غوطة دمشق منذ 2013، تصف نفسها بأنها إنسانة محبة للقراءة والعمل والنشاط الجماعي منذ سنوات دراستها، وهو ما توّجته بعد اندلاع الحراك في سوريا بتأسيس وإدارة مراكز تعنى بحماية الأطفال المتضررين من الحرب في ريف دمشق ودرعا.

البداية من المنزل

ورثت العمار التي ولدت في قرية نمر بريف درعا الغربي حب القراءة عن والدها محمد العمار وهو مفكر وداعية لاعنفي، وبدأت منذ نعومة أظفارها بقراءة عشرات الكتب المتنوعة في مجالات الفكر الإسلامي والعالمي والتاريخ والعلوم والتربية، والتي تركت فيها عميق الأثر، ولدى وصولها للمرحلة الجامعية اختارت الانتقال لدمشق بهدف الالتحاق بكلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية قسم هندسة الحواسب والأتمتة.

“كانت حياتي الجامعية مليئة بالعمل المجتمعي على مختلف الأصعدة. تمكنا خلالها أنا وزملائي من تكوين أسرة فعالة ترعى شؤون الطلاب وتسعى لحل مشاكلهم، وتكلل ذلك بأنشطة أسسناها في الكلية واستمرت حتى بعد تخرجنا، كالنادي الصيفي ومكتب الخريجين”.

في العام 2009 حصلت العمار على شهادة البكالوريوس وتابعت دراستها للحصول على الماجستير في الشبكات. وفي العام نفسه اقترنت بزوجها أسامة نصار بعد أن تعرفت إليه في جلسات فكرية أسبوعية، وليقيما معاً في مدينته داريا بريف دمشق الغربي.

مع انطلاق الربيع العربي في تونس نهاية العام 2010، تابعت العمار وهي لا زالت تعمل على رسالة الماجستير ما يجري في البلدان العربية باهتمام وحماس شديدين، رغم يقينها بأن حدوث التغيير السلمي في سوريا يحتاج لنصاب غير موجود حينها، ودفعها ذلك للمشاركة في اعتصام أهالي معتقلي الرأي أمام وزارة الداخلية في 16 آذار/مارس عام 2011.

“اعتقلنا في ذلك الاعتصام أنا وزوجي وكنت حاملاً بابنتي الأولى إيمار، لنخرج بعد أيام. بعد أسابيع اعتقل أسامة مرة أخرى بسبب مشاركته في الحراك السلمي بداريا، وخرج بعد شهرين ليحضن ابنته للمرة الأولى وقد فاته حدث خروجها للنور، وفي الفترة ذاتها اعتقل والدي على خلفية نشاطه السياسي والاجتماعي وأعيد اعتقاله أربع مرات متتالية”.

نشاط سلمي

خلال الأشهر الأولى للحراك، تبلور شكل مشاركة ومساهمة العمار فيه، حيث كانت من أوائل المنضمين لمجموعة الحراك السلمي السوري، وشاركت في مكتب التوعية والمكتب الإعلامي بعدة مشاريع إعلامية ومبادرات وحملات توعية، كما انخرطت على نحو محدود بنشاطات نساء مدينة داريا فيما عرف لاحقاً بتجمع حرائر داريا.

بالتوازي مع ذلك، أسست العمار مع الناشط نبيل شربجي مكتب التوثيق في مدينة داريا وذلك في شهر أيار/مايو 2011، وعملت مديرة للمكتب بالتعاون مع تنسيقية داريا لجان التنسيق المحلية ثم مع مجلس المدينة المحلي. “كنت أعمل في توثيق أسماء الشهداء والمعتقلين والمفقودين من أبناء المدينة وإيصال قضاياهم للمحافل الدولية. كنت أقضي يومي في جمع فتات أخبارهم لمواساة قلوب أهلهم ومحبيهم، وفي الوقت نفسه كنت بحاجة لمن يطمئن قلب أمي المفجوع بفقد أخويّ المغيبين قسرياً منذ شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2012، لكنني لم أجد”.

وكحال معظم الناشطين السوريين، بدأت رحلة العمار مع الملاحقة الأمنية. “اقتحام منزلي وتهديدي بالتصفية وخطف طفلتي بهدف إجبار زوجي على تسليم نفسه ومن ثم اعتقال أخي لمدة شهرين من قبل المخابرات الجوية لم تترك لي مجالاً بحرية الحركة والنشاط في داريا، وأجبرتني على التنقل في مناطق مختلفة داخل دمشق، وصولاً للاستقرار داخل الغوطة الشرقية في تموز/يوليو 2013”.

العمل في ريف دمشق

بعد حوالي شهرين من وصولها للغوطة الشرقية، بدأت أول أعمال مكتب الحراك السلمي بريف دمشق، وكانت العمار أول مديرة لأول مكتب ميداني للحراك. وفي الشهر التالي، انطلق برنامج حماية الطفل في الغوطة، وهو أحد برامج الحراك السلمي السوري المعني بمنع تعرض الأطفال لحالات العنف أو الإيذاء أو الاستغلال، والاستجابة لها والقضاء عليها.

ومع تلقيها تدريبات على أساسيات حماية الطفل ومهارات التواصل مع الأطفال من قبل مدربين مختصين، أسست العمار أول مكتب ميداني لشبكة “حرّاس” الناشطة في هذا المجال.

“بدأت بتدريب أول مجموعة من الكوادر العاملة مع الأطفال في الغوطة على أساسيات حماية الطفل، ليتم بعدها تبني عمل الكادر الذي يدير مدرسة تقدم التعليم الرسمي لأطفال في المرحلة الابتدائية، ودعم احتياجاتهم وتطويرهم مهنياً، كما عملت على إدخال الدمج في التعليم للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة”.

عمل العمار في دعم الأطفال امتد ليشمل إدارة حملات إعلامية تهدف لمناصرة قضايا الأطفال ضحايا الحرب في سوريا، ومنها حملة “ارفع صوتك من أجل أطفال سوريا “#SpeakUpForSyrianChildren في العام 2013، والتي وثقت بيانات وقصص آلاف الأطفال السوريين الشهداء كي يتحولوا من مجرد أرقام لقصص حية وإنسانية تحمل كل منها رسالة موجهة للرأي العام.

أحمد حذيفة وهو ناشط وصحفي عمل مع العمار في هذه الحملة، يتحدث عنها بالقول: “عملنا بقيادة ميمونة التي ضبطت إيقاع الفريق ووجهت بوصلة العمل. رغم الحصار، كانت الشخص الحيوي الذي يعيد إحياء العزيمة كلما مررنا بشعور العجز والإحباط واللاجدوى، وبفضل تحفيزها الدائم ونجاحها بتوزيع المهام وإتمامها تمكنا من تنفيذ حملة ناجحة وصلت لجمهور واسع. ميمونة من الأشخاص الذين تحب أن تعمل معهم وتصادقهم، ليس فقط لأنك تتقوى بها، أيضاً لأنك تتعلم منها كل يوم، ولأن وجود أمثالها من الرحماء والعطوفين والمؤمنين بالحرية والعدالة والدفاع عن حقوق الناس بمن فيهم المختلفين عنا، يعطي لحياتنا معنى”.

خلال الأشهر التالية، استمر نشاط العمار في تدريب المراكز والمؤسسات ومجموعات العمل المدني المختلفة والتي تعمل بشكل مباشر أو غير مباشر مع الأطفال وذلك بهدف رفع الوعي بمفاهيم حماية الطفل، كما بدأت العمل عام 2014 على مفهوم إدارة حالات الأطفال المعرضين للخطر مع استقبال أطفال تعرضوا لإصابات جسدية ونفسية خطيرة نتيجة القصف الذي تتعرض له المنطقة.

ومع استقطاب هذه الأنشطة لكوادر جديدة، وصل عدد الموظفين والعاملين مع شبكة حراس إلى حوالي 115 موظفاً في الغوطة، وافتتح في شهر آب/أغسطس عام 2016 مكتب للشبكة بمحافظة درعا بعد تجربة ناجحة لمكتب الغوطة، لتصبح العمار مديرة إقليمية لمكاتب الشبكة في كلتي المحافظتين.

تتنوع الأنشطة التي تقدمها الشبكة من خلال المساحات التابعة لها وفق حديث العمار، حيث تشمل الدعم النفسي والاجتماعي والتعليم الرسمي الذي يشمل الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، والتعليم غير الرسمي الذي يتضمن محو الأمية والقراءة العلاجية، إضافة لحملات التوعية للأطفال والقائمين على الرعاية وبناء قدرات المؤسسات الشريكة، وصولاً لنظام إدارة الحالة في سبيل الاستجابة لقضايا حماية الأطفال المعرضين للمخاطر في كثير من مناطق الغوطة.

سماح إحدى المستفيدات من برامج شبكة حراس تصف مديرة الشبكة ميمونة العمار بأنها “كالأم الثانية التي تشجع الأطفال على متابعة تعليمهم مهما بلغت صعوبة الحياة داخل الغوطة، وتقدر مواهبهم وتسعى لتنميتها، كما تدرب الأهل على طرق التعامل المثلى مع أولادهم خلال الأزمات. إنها كالنور، وأشبه بيد السلام التي تمتد لتنقذنا وترسم لنا مستقبلاً أفضل”.

رغم هذا النجاح وأهمية ما تقوم به شبكة حراس في مجال حماية الأطفال وتقديم الدعم لهم، تعرضت العمار خلال عملها لمضايقات عديدة من أفراد وجهات تتبع فصائل وسلطات أمر واقع داخل الغوطة بذرائع وحجج مختلفة. “أزعجهم طرحنا لمواضيع تتعلق بحقوق الطفل وإدارتي أنا كامرأة لفريق كبير من النساء والرجال ولمؤسسة لها أثرها الواضح في المجتمع. إحدى حملات المضايقة صادفت حملي بابنتي الثانية وكانت مواجهتها أمرا صعباً، نظراً لمحاولة خلط الحقائق وتحريض المجتمع ضدّنا بتزييف الاتهامات ونشرها على نطاق واسع”.

إلا أن التزام أعضاء الشبكة ببيان الحقائق وتوضيحها، وتضامن أهالي وناشطين من داخل وخارج سوريا مع العمار وفريقها، ساهم في تراجع حملة التحريض وخطاب الكراهية، “لتكون النتيجة مزيداً من القوة والإيمان لمواصلة عملنا على طريق تحرير الإنسان”، وفق تعبير العمار.