السوريات

أم سميح.. مناضلة تتحدى الاعتقال والحصار واليأس

أم سميح.. مناضلة تتحدى الاعتقال والحصار واليأس

عاملة حالك الأم تيريزاصرخ بها أحد المحققين الأمنيين في فرع الخطيب للأمن السوري، تختصر جملته سيرة حياة امرأة سوريّة فلسطينية تقضي جلّ وقتها لتكون بلسماً للفقراء والمحتاجين.

ففي الغوطة الشرقية بريف دمشق لا تكاد تجد من لم يعرف الفلسطينية أم سميح، ولن تسمع على لسان الفقراء والمتعبين كمثل أمهم أم سميح، فمن بين دمار الأبنية وتحت هول الصواريخ والقذائف تصل أم الفقراء للمحتاجين إما بسيارة السوزوكي التي تقودها بنفسها أو مشياً أو حتى زحفاً بين الركام.

فاتن أم سميح تنحدر من يافا، وتحمل إجازة في الآداب من قسم اللغة الإنكليزية في جامعة دمشق، وعملت قبل الثورة بالترجمة.

مع بدء الثورة السورية شاركت في نشاطاتها السلمية وخرجت للاعتصامات والمظاهرات تنديداً بالمجازر التي يتعرض لها السوريين، مما عرّضها للاعتقال والتعذيب.

كانت أم سميح حاضرة في اعتصام مستشفى الطلياني، تنديداً واستنكاراً لمجزرة الحولة عام 2012 التي كان غالبيّة ضحاياها من الأطفال، تعرضت خلالها لكافة أنواع الشتائم والإهانات من عناصر الأمن السوري.

وسألت الناشطة أم سميح لماذا يكيل لك كلّ هذه الشتائم؟!..قالت ﻷنني فلسطينية وزوجي سوري، وﻷن هذا الاعتقال الثاني لي.. كنا نحمل شموعا فاعتقلوني مدة ثمانية أيام

بقيت أم سميح إلى جانب الناشطات لمدة أسبوعين في المعتقل، وكل تحقيق كانت تدعى إليه أم سميح تأتي خائفة ومصفرّة وتقول ﻷنني فلسطينية يكال لها الشتائم ويهددونها باعتقال وتعذيب زوجها وابنها طالب الطب سنة ثالثة وكان همها الأكبر ابنتها الطالبة في الثانوية.

وبعد إخراجها من الاعتقال الثاني اعتقل الأمن السوري ولدهاسميح بحرةطالب الطب في دمشق قبل تخرجه بشهور حيث نشط عمله في معالجة الجرحى وتأمين الدواء والعمل في المشافي الميدانية لإسعاف جرحى المظاهرات الذي أصابهم على يد عناصر الأمن السوري.

لم يخف نشاط أم سميح  إلى جانب خدمة المحتاجين والتخفيف من معاناة الحصار، إلى أن أوقع بها الأمن لتعتقل مرة ثالثة، تقول أم سميح اتصل أحدهم بي وقال أعطاني رقمك فلان، وطلب مساعداتي بذريعة أنهم بحاجة للمساعدة وينامون في الشوارع بعد تشريدهم من منزلهم.

ردتسأعطيك مبلغاً تأوي عائلتك وتستأجر بيتاًوفي المكان المحدد كانت سيارة تابعة للأمن السوري بانتظارها، وتم اقتيادها إلى أحد الأفرع الأمنية السورية وتنقلت منه إلى فروع أمنية عدة لمدة شهرين.

تعرضت أم سميح خلال فترة اعتقالها للتعذيب بكل أصنافه والضرب بكل أشكاله والتجويع والتهديد والوعيد، إلى أن خرجت من تلك المحنة مشتتة القوى ومنهكة وما إن تماثلت للشفاء تركت دمشق وانتقلت للغوطة الشرقية بريف دمشق.

من مطبخ أحرار السويداء

مع اشتداد الحصار بريف دمشق ونقص الموارد، أخذت أم سميح بالتحرك على مستوى علاقاتها وأهل الخير لمد يد المساعدة لمساعدة الأكثر عوزا، واستطاعت التواصل مع صديقة سابقة من المعتقل من مدينة السويداء وتبرّعت لها بملبغ مالي لإنشاء مطبخ خيري.

اعتمد مشروعها على المساهمات الفردية المتواضعة، وفيه تعد الطعام وتوزعه على الأشد حاجة، في شهر شباط/فبراير عام 2014 تم إعداد الطعام لقرابة 250 عائلة من أهالي حرستا الذين يصل تعدادهم إلى حوالي 4 آلاف نسمة.

كانت غالبية التبرعات تأتي من أهالي مدينة السويداء ومن المغتربين، فأطلق الأهالي على المطبخ اسممطبخ أحرار السويداء لمساندة أهالي حرستا في الغوطة الشرقية

وكان غالباً ما تتكون المأكولات التي يعدها مطبخ السويداء على المكونات الرخيصة والمغذية بذات الوقت كالبقول والبرغل والرز، أملاً في أن يتمكنوا من تغطية احتياجات أكبر عدد ممكن من السكانتقول أم سميح.

إلى مؤسسة يد واحدة الإغاثية

ومع توسع العمل وانتشاره تحول المطبخ الخيري إلى مؤسسةيد واحدة الإغاثيةوتم تفعيلها مع مرشد أبو مدلل الذي قضى بعد ذلك، وبعد قضاء أبو مرشد ووفاء له تمت تسمية المؤسسةأبو مرشد يد واحدة“.

ومع انتشار عملها وتوسع دائرة المتبرعين أصبحت المؤسسة تغطي أعمالاً خيرية أخرى، وأدارتها أم سميح في كل تفاصيلها من الطبخ إلى التوزيع والتوثيق وصفحة الفيس بوك وتوصيل الطعام للمحتاجين المحاصرين.

ولم يعد الأمر مقتصراً على منطقة حرستا فوصلت يد الخير إلى عدة بلدات بالغوطة الشرقية، من زبدين، ودير العصافير، وبيت نايم، والمحمدية، ومرج السلطان، والميدعا.

يتحدث أهالي المنطقة عن نشاطها وإصرارها على مواصلة العمل بأقصى الظروف، ولا يستغربوا أن تقطع أم سميح الغوطة الشرقية في اليوم الواحد طولاً وعرضاً، لتصل أماكن لا يعرف أحد غيرها أنها موجودة، لتمدّ المحتاجين بالطعام والشراب.

حاولت المؤسسة أن تكتفي ذاتياً فاقتنت عدداً من رؤوس الماعز، وأقامت مزرعة صغيرة للدجاج للاستفادة من بيضها في وقت أصبح اقتناء البيض حلماً في ظل حصار النظام السوري، وكانت توزع منتجات الحيوانات مجاناً على العائلات، كما أخذت المؤسسة بزراعة قطعة من الأرض يستفاد من خيراتها في الطبخ، وافتتحت المؤسسة محلاً للمنظفات، كما افتتحت قاعة محاضرات وتقيم ندوات تابعة لمؤسسة يد واحد.

المؤسسة التي بدأت بجهود بعض النساء المعتقلات سابقاً وعلى رأسهم أم سميح توزع اليوم سلالاً غذائية، وطعاماً مطبوخاً، وحليب أطفال، والدواء، والخبز، ولوازم منزلية، وكفالات أيتام (أكثر من 160 كفالة) ووصل حجم التبرعات للأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة حتى مليون ليرة سورية، إضافة إلى الملابس والبطانيات، وحلوى وألعاب وحفلات ترفيهية للأطفال، مساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة، وتوزيع حطب للتدفئة، سبل ومناهل وخزانات المياه في الشوارع وصيانة المكابس المائية، صيانة البيوت المتضررة بالقصف وترميم المدارس ، إلى مبالغ نقدية.

وعن مصاعب العمل تقول أم سميحلم يكن إنشاء وتوسيع العمل الخيري سهلاً فقد اعترضتني صعوبات جمة، أولها طبعاً كوني امرأة، رغم أن عملي الإغاثي بدأ منذ بداية الثورة، لكنه كان فردياً

مع اضطرارها للعمل مع كادر عمل معظمه من الرجال إلا أنه سرعان ما كسبت احترامهم، وأصبح الكل يناديهاخالتي أم سميح، ومن الصعوبات الأخرى التي واجهتها، تقول أم سميح منهاتأمين مستلزمات الطهي، وتأمين الدعم في بداية العمل لكن الثقة التي منحتهم إياها وطد العمل وشجعت المتبرعين على تقديم يد المعونة لإخوانهم المحاصرين والمحتاجين.

كثيراً ما أصيبت أم سميح بالإحباط إلا أن الواقع المؤلم وأصناف المعاناة التي تعرض لها الأهالي جعل إحباطها وقوداً يدفعها إلى تجاوز الأنا كي تبقى قادرة على العطاء بكل معانيها.

تقول أم سميحأنا مصرة على الاستمرار، لأجل أطفالٍ حُرموا طفولتهم، حيث لا يحق للطفل المحاصر أن يحيا كبقية الأطفال، هو مضطر للقبول بما يتيسر، مضطرٌ لقبول لقب يتيم لأن والده استشهد بقذائف تأبى إلا أن تشق طريقها لتروع من لا ذنب لهم، مضطرٌ للوقوف أمام عربة الطعام بانتظار دوره، مضطرٌ أن يحمل وعاء ماء الشرب الأثقل منه لينقله إلى المنزل ويصعد به للطوابق العليا، مضطرٌ إلى اللعب بالعيد في الأقبية لأنها المكان الآمن من القصف

المادة لـمجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية –  أثير المقدسي

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق