السوريات

ثائرة من بردى

لا زالت رويدة كنعان تخزن في ذاكرتها صور دمشق وهي تجوب شوارعها، مستعيدة تفاصيل ساحة المرجة وشكل بلاطها وواجهات محلات الحلويات الدمشقية والفنادق المنتشرة حولها.
تستحضر بذاكرتها وجوه الباعة ذوي الابتسامة الدائمة، وأصواتهم الرنانة في سوق الحميدية “تفضلي شو لازمك بيجامات-عرايسي-مناشف”، تقول رويدة: “حافظة الشام شبر شبر، بتمنى ارجع اطمن عليها واتمشى فيها.”
ولا زالت خريجة كلية العلوم-قسم الرياضيات، إلى حد الآن، تتذكر كيف كانت تستخدم الرياضيات في حساب قطر ونصف قطر ساحة الأمويين، لتعرف كم شخصًا سيتسع في المظاهرات المطالبة بالحرية التي كانت تتمنى أن تصدح هتافاتها من قلب ساحة الأمويين.

لم تكن ابنة وادي بردى معارضة بالمعنى الحرفي للكلمة قبل الثورة، بدأ ذلك برفضها مظاهر الفساد وطريقة التعامل السيئة في الدوائر الحكومية، ولماذا نتوجس من أجهزة المخابرات وكلمة “وطي صوتك مشان ما يشحطوكِ ع بيت خالتك”!، هذه التساؤلات وغيرها كانت تدور بينها وبين نفسها أو تشاركها على نطاق ضيق مع دائرة أصدقائها المقربين.

في مرحلة دراستها الجامعية عام 1999 قام مكتب اتحاد الطلبة باستدعائها للتحقيق بسبب زمالتها مع أشخاص منتسبين لحزب العمل الشيوعي وطلاب ٍعرب من السودان واليمن، تقول رويدة: “وقتها انتابني شعور غريب كَوني إنسانة عادية وبسيطة والمخابرات تتابع تحركاتي فكيف بقية الناس؟”.

وعندما اندلعت الثورة في تونس وانتقلت بداية العام 2011 الى مصر، شاهدت رويدة كيف تدخل الجيش المصري لحماية المتظاهرين والشعب الثائر، لكنها كانت على يقين ان حالة الجيش السوري ستكون مغايرة، خاصة بعد تجربة مريرة من التدخل في الشأن اللبناني الداخلي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، تتابع رويدة: “عرفت أن هذا الجيش لن يكون في صف الشعب، لاسيما أجهزة المخابرات التي كان مفروغًا من أمرها، وسيقفون ضد الحراك المناهض لنظام الحكم.”

وبعد انطلاقة الثورة السورية ربيع 2011، كان من البديهي أن تنخرط بثورة الشعب السوري حسب قولها، وتروي عن تجربتها: “في شهر أيار/مايو 2011 كانت أول مظاهرة أشارك بها وأهتف بأعلى صوتي، وقتها قلت: (الله سوريا حرية وبس)”، منذ ذلك الحين شعرتْ الثائرة السمراء ان شيئا قد تغيّر  في ملامح شخصيتها، وتزيد: “كانت سمتي بالحياة الخجل، لكن بعد هالتجربة صار فيني احكي بصوت عالي وطالب بحقوقي”.

اعتقلت رويدة يوسف ثلاث مرات، الأولى أثناء مشاركتها في مظاهرة صيف العام 2011 بتهمة إثارة الشغب، أما المرة الثانية فاعتقلت هي وإخوتها من منزلها بداية شباط /فبراير 2012 بتهمة دعم الإرهاب بسبب حيازتها لأدوية ومساعدات غذائية، بالإضافة لتهمة إنشاء أحزاب سياسية تهدف لتغيير الدستور، بعد أن نظمت مشاركتها السياسة ليس فقط بالمظاهرات، بل كانت من المؤسسات لحزب حمل اسم “حركة معًا من أجل سوريا حرة ديمقراطية” كان من بين ابرز شخصياتها عزة البحرة وخولة دنيا وغيرهن من النساء والرجال بداية العام 2012.
آخر اعتقال لرويدة في تاريخ (9-6-2013) عندما كانت متوجهة للغوطة، بتهمة كتابة تقارير صحفية تحريضية وإضعاف الشعور القومي، تحولت على إثرها لمحكمة الإرهاب، وعندما تم إطلاق سراحها عام 2014 اتجهت في شهر نيسان/ابريل إلى تركيا.

المعقتلات والمرأة قضيتان متوازيتان:

في بداية نشاطها، لم تحصر مفهوم الثورة في إسقاط النظام، الثورة بالنسبة لها تعني التغيير نحو الأفضل وضمان حقوق النساء والفئات المهمشة. كانت لدى رويدة قضيتان متوازيتان، الدفاع عن المعتقلات والمعتقلين، ومناصرة حقوق المرأة.
بعد خروجها من السجن انتسبت لـ”شبكة المرأة السورية”، وهي الآن في لجنة المتابعة والتنسيق، وتعمل في قضايا التمكين السياسي والاقتصادي، وتضيف: “التمكين الاقتصادي للنساء لا يقتصر فقط على الطبخ والخياطة، بل يشمل تعليم إدارة المشاريع ومهارات المعلوماتية وإتقان اللغات المختلفة”.

تتابع رويدة عن كثب مشاركة النساء في صناعة القرار السياسي على المستوى السوري، وعلى الرغم من شعورها بالإحباط من جميع جهات المعارضة، لكنها تقول: “أنا مع وجود النساء في جميع المؤتمرات والمنصات وأن لا يبقى مكانهنّ شاغرا”، وتعزو السبب الى إلغاء الهيمنة الذهنية الذكورية عند أوساط المعارضة.

وفي تشرين الأول/أكتوبر من العام الجاري كانت رويدة ومجموعة نساء من المؤسسات لـ (الحركة السياسية النسوية السورية)، التي تعتبر تجربة جديدة في سوريا والشرق الأوسط، حيث شاركت خمسة نساء من الحركة في الهيئة العليا للمفاوضات، وسيدتان بالوفد المصغر، ولفتت أن: “هذه خطوة إيجابية، رسالتنا ان المرأة لديها القدرة كما الرجل ومن حقها الطبيعي ان تكون مشاركة في مراكز صنع القرار”.

التقديم الإذاعي و”إكس عدرا”:

عملت رويدة كنعان كمراسلة لراديو روزنة من دمشق عام 2013، واعتقلت على أحد الحواجز بعد اكتشافهم تعاملها مع إذاعة تبث من خارج سوريا، وعن تجربتها الإذاعية تقول: “راديو روزنة من التجارب التي غيرت المسار العملي لدي، حيث تحولت من معلمة رياضيات إلى مراسلة، لديها اهتمام كبير بالإعلام وإيصال صوت من لا صوت له.”

قدمت رويدة العديد من البرامج الإذاعية أهمها برنامج “عتم الزنزانة” الذي يتناول قضية المعتقلين والمعتقلات ويروي معاناة السجن والاعتقال، و برنامج خاص بالنساء “نص الدنيا” وفقرة “باص الحرية”، بالإضافة إلى فقرات إذاعية أخرى.

بعد سفرها إلى فرنسا، لم توقف رويدة نشاطاتها، بل شاركت في مسرحية تدعم قضية المعتقلين والمعتقلات حملت اسم (إكس عدرا) للمخرج السوري “رمزي شقير”، تتحدث عن واقع 6 نساء خضن تجربة الاعتقال لكنهن قويات ومحبات للحياة، وتذكّر بمعاناة المعتقلين والمعتقلات مطالبة بالإفراج عنهن من السجون السورية.

واختتمت رويدة حديثها لتقول: “بعد انتهاء العرض الأول، شاهدنا ردود فعل المواطنين الفرنسيين الذين خرجوا صامتين ومصدومين، حيث تغيرت لديهم بعض الصورة النمطية عن النساء السوريات.”

لا زالت رويدة تنتظر لقاء بائع فطائر الصاج في حي ساروجة، ومصلح الأحذية البسيط الذي ودعته قبل أن تغادر، وأن تتجول على ضفاف نهر بردى، علّ ذلك الحلم يدنو منها… رويدًا رويدًا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق