السوريات

في القفص وريشتها طليقة

في القفص وريشتها طليقة

لأنها ترسم عالماً جميلاً تنشر فيه الحب والسلام وتغمره بالإنسانية٫ حكموا عليها بالسجن في زنازين أشد اسودادا من الفحم الذي تنقس به لوحاتها.

سما _ كما تفضل أن نسميها_ في الثلاثينيات من العمر ابنة مدينة حماه ودمشقية الهوى حيث ترعرت ودرست وعملت. تخرجت سما من كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق٫ واستخدمت فنّها كوسيلة للتعبير عن مطالب الثورة السلمية التي آمنت بها منذ بدايتها، جالت ريشتها أنحاء سوريا لرسم اللافتات والبوسترات وتحضير رسومات الحرية.

تقول سما ” أعددت بعض التصاميم للمطالبة بالمعتقلين فمعاناتهم هي قضيتي وأكثر ما عملت لأجله٫ ربما لأني كنت أشعر أني سأكون معهم يوما ما”

مساء ٢٢ أيلول ٢٠١٥ انضمّت سما لمن كانت تتضامن معهم بعد أن نصب لها عناصر فرع الأمن العسكري في دمشق كميناً باستخدام صديقة مقربّة منها كان قد اعتقلها قبل أسابيع.

عن موقف اعتقالها تروي سما ” أبشع ما يمكن أن يتعرض له الإنسان هو استغلال أقرب الناس إليك للإيقاع بك، لم يكن هناك داع لهذه المسرحية والحبكة الدرامية الطفولية للإيقاع بي وجرّي إلى قهوة اعتدت الذهاب إليها لاعتقالي ، فأنا لم أختبئ يوماً أساساً ”.

التحقيق رسماً

ككل المعتقلات عانت سما من التعذيب الجسدي والمعنوي٫ كما مارس عليها عناصر فرع الأمن مختلف أساليب الضغط لتعترف على رفاق آخرين مشاركين بـ“الأعمال الإرهابية“ حسب وصفهم.

إحداها كان إجبارها على الاعتراف رسماً٫ تقول سما: ”في الليلة الأولى لي بفرع الأمن أجبرنا العناصر على النوم في غرفة التعذيب لنسمع صراخ السجناء الآخرين طوال الليل وهم يتعرضون للتعذيب٫ في الصباح اقتادوا صديقتي لتوقع بصديقة أخرى مطلوبة٫ وبقيت وحدي مع أحد المحققين٫ فأعطاني ورقة وقلما وطلب مني أن أرسم وأجسد له الحقد“.

”لم أستجب له بالبداية فلم أتمالك قواي لارسم بعد تلك الليلة المرعبة٫ كنت أشعر أن الدماء توقفت في عروقي٫ لكنه أمرني مهدداً فرسمت.  رسمت ملامح قوية وقاسية لرجل مسن تملأ وجهه التجاعيد٫ فمه خالي من الأسنان وأنفه ذو اعوجاج واضح٫ نظراته شريرة ومرعبة، رسمته يمسك بيده عصفورا صغيرا ويعصره“ تتابع سما.

لم يخف المحقق إعجابه بما رسمته سما على عجل وأخذ معه الورقة ليريها لرفاقه الذين تأملوا فيها لدقائق قبل أن يحوّلوا نظراتهم لسما معلّقين ”قصدك نحنا هالشرير وأنتوا العصافير؟ أي ومين قلك عنا مشكلة نكون هيك! نحنا فرحانين أنكم العصفور الضعيف المفعوس بأيدنا“.

 

سما المُلهمة في حبسها

“لم تكن الزنزانة بالنسبة لها غرفة صغيرة تُحبس فيها النساء بل كانت ترى فيها مجتمعا كاملاً بكل أطيافه واختلافاته٫ فكانت فيه صوت العقل والقلب٫ جسدت معان لا يمكن تخيلها بالسجن من صبر وحكمة وجرأة“ تقول نورا٫ ٣٣ عاماً رفيقة الزنزانة التي أمضت مع سما فترة حبسها في فرق الأمن لشهرين كاملين٫ وتضيف ”كانت أما وابنة وأختا٫ تقوم بدور المعلمة والطالبة والجاهلة والحكيمة والطائشة والمتمردة٫ لم تسمح لنفسها بالاستسلام والانهيار٫ فتحولت لمصدر نستمدّ منه القوة ولو أنها انهارت لانهرنا جميعاً معها“.

لتقاوم هي نفسها حوّلت سما كلما وقع تحت يدها في الزنزانة لقطع فنيّة ولوحات٫ فصنعت الدّمى من خيطان البطانيات الوسخة٫ الأساور والاكسووارات من نواة الزيتون الذي يُقدّم لهنّ صباحاً.

”تحوّلت الزنزانة لورشة عمل لإنجاز هذه الأعمال الفنيّة البسيطة وشكل ذلك دعماً عظيماً لصمودنا٫ أنا قررت عدم الانهيار فإيماني بالحقوق المشروعة والسامية لنا نحن السوريون كانت تلهمني القوة وتمنعني من الإستسلام“ تقول سما.

تحوّلت سما بعد شهري الاعتقال في الفرع إلى سجن عدرا النسائي حيث استمرّت بالرسم٫ فوثّقت ملامح وحكايات بعض النساء اللواتي كن معها بنفس المهجع، كما أنجزت بعض السكيتشات للحياة داخل السجن الكبير.

لكن السجن بقي يلاحقها فما إن أطلق سراحها من عدرا حتى اقتيدت مباشرةً لفرع أمني آخر كانت مطلوبة لديه لتسُجن لأربعة أشهر أخرى.

اضطرت سما أخيراً لمغادرة سوريا خوفاً من الملاحقات الأمنية مجددا ”أشعر أنني مقيدة الأيدي ولا أستطيع فرد أصابعي٫ خروجي من بلدي كسرني فعلاً“ تقول سما.

لم تستطع سما العودة للرسم سريعاً كمل السابق إلا أنها من منفاها القريب تتابع توثيق الحكايات وترسم المعتقلات اللواتي شاركنها تجربة السجن المريرة ”لا يفارقني الذنب لأنني خرجت وتركتّهن خلفي٫ فأرسمّهن و أشعر بذلك أننا مازلنا معاً“.

نورا الشعلان

عن الكاتبة:

نورا في الواحد والثلاثين من عمرها٫ خريجة قسم الصحافة والإعلام في جامعة دمشق٫ اعتقلت عام ٢٠١٥ بتهمة مساعدة أهالي المسلحين٫ وكانت مع سما في نفس الزنزانة بأحد الأفرع الأمنية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق