السوريات

لسوريا قيادياتها أيضاً..

تقطع أميرة مالك كل أسبوع حوالي مئة كيلومتر ذهاباً وإياباً بين مدينة النبك -حيث تقطن- وبين دمشق، للوصول إلى الأكاديمية السورية الدولية في حي المزة، والتي انتسبت إليها منذ خمسة أشهر بهدف الحصول على دبلوم في العلاقات الدولية وتطوير مهاراتها في هذا المجال. وتحرص أميرة على ألا تفوّت دروسها الأسبوعية هناك مهما كانت الظروف، رغبة منها في الحصول على شهادة الدبلوم بأفضل معدل ممكن.

أميرة، البالغة من العمر اثنين وثلاثين عاماً، والتي تحمل درجة الإجازة في العلوم السياسية، لا تتعب من ملاحقة حلمها في أن تصبح واحدة من القياديات السوريات في المستقبل. ورغم حقيقة أنها، كمعظم الفتيات السوريات، كبرت ونشأت في مجتمع ذكوري لا يؤمن في كثير من الأحوال بقدرات فتياته ونسائه، إلا أن يقينها بأن لعب أدوار قيادية في مجتمعها هو مصيرها المحتوم الذي ستعيشه، يزداد يوماً بعد آخر.

كبرت أميرة في مدينة النبك بريف دمشق، والتي تعتبر أكبر وأهم مدن منطقة القلمون السورية، ومع ذلك، ريفية إلى هذا الحد أو ذاك. أثرت تركيبة عائلة أميرة كثيراً في شخصيتها وفي رسم خياراتها ضمن مختلف مجالات دراساتها وعملها، مع غياب والدها بشكل شبه دائم، وتقديم والدتها قوية الشخصية كامل الدعم لأميرة وأخواتها، متيحة لهنّ حرية اتخاذ القرارات واختيار مسارات الحياة. “ساهمت طفولتي، التي كانت وليدة الظروف الاستثنائية التي عشت فيها، في نمو النزعة القيادية والإحساس العالي بالمسؤولية لدي، وهو فضل أعزوه بشكل كبير لوالدتي التي عززت ودعمت هذه الميول القيادية في شخصيتي.”

خلال مراحل الدراسة الإعدادية ومن ثم الثانوية، انجذبت أميرة بشكل خاص للقادة المجتمعيين والسياسيين. قرأت عنهم وبحثت في ظروف حياتهم، مما ساهم في تشكيل هدفها ووضعه نصب أعينها، “سأكون سفيرة لسوريا في قادم الأيام”. اتجهت أميرة نتيجة لذلك لدراسة العلوم السياسية لتحصل على إجازة فيها عام 2009. وخلال الأعوام اللاحقة، عملت أميرة في عدة مجالات وطورت معارفها بشكل خاص في مفاهيم المواطنة والمناصرة وحل النزاعات والتفاوض، إضافة لقضايا المرأة وعلى الأخص تلك المتعلقة بالقانون 1325 وسيداو، لتصبح مدربة معتمدة في معظم هذه المفاهيم، ولتعمل نتيجة لذلك كمنسقة لعدة مشاريع ذات صلة، مثل مشروع “القائدة” في دمشق والسويداء، ولعدة حملات إعلامية عبر وسائل مختلفة داخل سوريا.

نتيجة عملها وجهودها المتواصلة، وصلت أميرة في العام 2012 إلى منصب نائبة رئيس بلدية النبك، لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب وتحصل عليه بالانتخاب وليس بالتعيين رغم موقفها الواضح والمعلن من الحراك في سوريا، حيث فازت بالانتخابات مع ثلاث وعشرين رجلاً آخرين من بين سبعين مرشحاً، أربعة منهم من النساء فقط. ولم يكن عملها في تلك الفترة سهلاً، حيث اضطرت لمواجهة التعامل الذكوري والأبوي أحياناً من قبل زملائها في العمل مما دفعها لبذل جهود إضافية لفرض وجودها خلال الأشهر الأولى من توليها منصبها. إضافة لذلك، شغلت أميرة مناصب عدة منها المديرة التنفيذية لملتقى سوريات يصنعن السلام، ومديرة ومؤسسة راديو سوريات الذي يعمل في الداخل السوري منذ العام 2014.

حب أميرة وشغفها بالعمل المجتمعي والقيادي في سوريا لم يخفَ عن محيطها، وحوّلها لشخصية محورية بين عائلتها وأصدقائها ودوائر معارفها الأوسع، وهو ما تعزوه صديقتها رندة إلى “إيمانها بما تقوم به وإخلاصها بعملها، ومساحتها الكبيرة للعطاء، وقدرتها على مواجهة التحديات التي يصعب أن تهزم شخصاً بقوة أميرة”. وتصف رندة أميرة بأنها “فتاة استطاعت التغلب على قساوة المجتمع وتحويل القيود السخيفة التي يفرضها على نسائه إلى أدوات جعلتها قدوة لكثيرات من حولها، وهو ما لم يتغير حتى مع ما نعيشه اليوم من حرب ودمار ويأس”.

بدروه، يصف أحد أصدقاء أميرة –ويدعى أحمد- شخصيتها بأنها “اجتماعية ونشيطة وتسعى لدعم العمل المدني الشبابي في سوريا بأي طريقة ممكنة، متحمسة وقادرة على نشر الحماس والتفاؤل حولها، والأهم من ذلك واثقة بنفسها وبعملها وبأفكارها وقادرة على إدارة النقاشات والحوارات مهما كانت صعبة أو حادة بطريقة دبلوماسية ذكية ترضي كافة الأطراف”. ويضيف أحمد: “تعرف أميرة تماماً ما تريده من الحياة، وتسعى لتحقيق أحلامها مهما بلغ تعبها أو يأسها، فلديها قدرة هائلة على استجماع قواها والمضي في طريقها متحدية كافة الظروف”.

لم ينفصل مسار حياة أميرة خلال السنوات السابقة بطبيعة الحال عما تشهده سوريا من أحداث دفع جميع السوريين ثمنها دون استثناء. “منذ ثلاث سنوات، أحاول الحصول على قبول للتسجيل في ماجستير العلاقات الدولية بجامعة دمشق، إلا أنني دائماً أحصل على الرفض بحجة عدم ملائمة معدلي الجامعي”، تقول أميرة وتضيف بأنها تحلم بالحصول على شهادة الدكتوراه، “وهو ما يمكنني تحقيقه خارج سوريا، إلا أني لا أزال متمسكة بالبقاء داخل البلاد، رغم كل ما نعيشه من ضغوطات تؤثر بطريقة أو بأخرى على عملي وعلى العديد من جوانب حياتي”.

اليوم، ومع عملها المستمر في مجال التنمية المجتمعية والشأن العام، ترى أميرة بأنها حققت بعض أحلامها، ولا يزال أمامها الكثير لتحقيقه والعمل لأجله، ولأجل مستقبل سوريا. “أتمنى أن أتمكن من البقاء هنا واستخدام كل ما لدي من معارف متراكمة للوصول إلى سوريا أفضل، سوريا العدالة والديمقراطية والمواطنة التي نحلم بها، فهي تستحق التضحية وهي اليوم بحاجتنا جميعاً أكثر من أي وقت مضى”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق