السوريات

من الزبداني إلى مضايا ثم إدلب.. النضال السلمي مستمر

قصة ناشطة لم يثنيها النزوح والتهجير القسري عن الاستمرار في تعليم الأطفال والنضال لأجل السلام واللاعنف والإنسانية

في صباح الثاني عشر من نيسان عام 2017، بدأت الحافلات الخضراء التي ستقل من يرغب بالخروج من سكان بلدة مضايا بريف دمشق الغربي نحو الشمال السوري بالقدوم والتجمع عند مدخل البلدة، وذلك كجزء من اتفاق “المدن الأربعة” الذي أبرم في مدينة الدوحة بين ممثلين عن جيش الفتح والجانب الإيراني بهدف فك الحصار بشكل نهائي عن الزبداني ومضايا ، وإخراج الآلاف منهما وكذلك من بلدتي كفريا والفوعة المحاصرتين بريف إدلب.

ومنذ إعلان بوادر الاتفاق، دخلت مؤمنة أبو مستو، وهي سيدة من الزبداني لها من العمر أربعون عاماً، في حيرة شديدة، فهل تبقى وتتعرض لخطر الاعتقال بسبب نشاطها المستمر منذ ست سنوات ضد النظام السوري، أم تخرج لتترك وراءها أرضها ومنزلها وتاريخها وذكريات حياة كاملة، وقبر ابنتها وآخرون ممن تحب؟

وكان أن اتُخذ القرار بالرحيل، بعد عشرات التهديدات بالقتل والتي تلقتها هي وزوجها والعديد من الناشطين العاملين معها من حزب الله اللبناني “والذي شكّل نشاطنا الإنساني والإعلامي مصدر قلق كبير له“ بحسب قولها.

بدأت مشاركات مؤمنة في الحراك السلمي بمختلف مستوياته منذ آذار 2011، حيث عملت مع مجموعة من نساء الزبداني على المشاركة في الإضرابات وتنظيم المظاهرات والاعتصامات والوقفات الصامتة، خاصة النسائية منها، وما يرافقها من تحضير الشعارات وخياطة الأعلام وكتابة الأغاني. ولم تكن هذه المشاركات جديدة على سيدة اعتادت الانخراط في العمل الإنساني والإغاثي والمجتمعي في مدينتها منذ سنوات طويلة، تقول مؤمنة “كنت أحلم بسوريا فاضلة ومثالية للجميع”.

وكانت مؤمنة تمارس كافة أنشطتها أثناء الثورة تحت اسم مستعار هو “حلا الأيام”، كمعظم الناشطين الحريصين على التخفي قدر الإمكان خوفاً من ملاحقة أجهزة الأمن السورية، لكن ذلك لم يمنع من اعتقالها عدة مرات، فشهدت ما تتعرض له المعتقلات في سجون الأفرع الأمنية، وخرجت أكثر تصميماً على الاستمرار في نشاطها السلمي.

بعد حوالي عام ونصف، اضطرت مؤمنة للنزوح من مدينة الزبداني التي كانت تتعرض لقصف شديد، تروي ل ت متحررة “فعلياً لم أتخذ قرار النزوح إلا بعد سقوط قذائف بشكل مباشر في منزلنا، فاتجهت مع أطفالي الأربعة إلى بلدة مضايا المجاورة حيث لم أرغب بالابتعاد عن المنطقة، وبقي زوجي في الزبداني”.

تجمّع ضمة

خلال الفترة نفسها، أسست مؤمنة مع مجموعة مؤلفة من خمسة عشر ناشطة من الزبداني تجمع “ضمّة” النسائي، والذي هدف لتمكين المرأة وتوعيتها ودعمها من خلال مشاريع صغيرة. كما أحدثت مؤمنة مركزاً في مضايا لتعليم اللغات وتقديم الدعم النفسي الاجتماعي للأطفال.

يصف أحد الناشطين العاملين في الزبداني ومضايا ويدعى عمر تجمع ضمة بأنه “نقلة نوعية في العمل المدني النسائي رغم التسلط الذكوري والعسكري في المنطقة. لمست لديهن الإصرار رغم ظروف العمل الصعبة، ولا زلت حتى اليوم قادراً على استحضار ابتسامة السيدة مؤمنة والتي لم تفارق وجهها يوماً”.

ولم تتوقف نشاطات مؤمنة في مضايا على ذلك، “فلم يكن بمقدوري الوقوف متفرجة على حصار وقصف مدينتي الزبداني. عملنا على تهريب مواد غذائية للمدينة المحاصرة عن طريق أنفاق حفرت بينها وبين مضايا، كما حاولنا أن نكون طرفاً وسيطاً حيث التقينا مع مسؤولين رفيعي المستوى بفرع أمن الدولة في محاولة غير ناجحة لإبرام هدنة توقف القصف وإطلاق النار“ تقول مؤمنة.

في منتصف العام 2015، بدأ حصار مضايا بدورها، وافترقت مؤمنة عن أطفالها الذين كانوا خارج البلدة ولم يتمكنوا من العودة، “مع ذلك كان للحصار معناه النضالي حيث استمرينا في تقديم المساعدات الإنسانية للعائلات الأكثر حاجة، وكذلك في توفير التعليم والدعم النفسي للأطفال، وهو عمل لم يكن سهلاً على الإطلاق في ظل الحصار المطبق الذي وصل حد وفاة العشرات نتيجة الجوع والمرض، ما جعلنا نفكر في أهمية التحرك الإعلامي لفك الحصار“ بحسب قولها.

حملات إعلامية

خلال الأشهر التالية، نظّمت مؤمنة مع زملائها حملات مناصرة لقضية مضايا، كحملة “مضايا تموت من الجوع”، “مضايا تموت من السحايا”، “أنقذوا غنى”، وكذلك حملة “استجيبوا” التي شارك فيها ناشطون داخل وخارج سوريا من خلال مظاهرات واعتصامات، كان أهمها مظاهرة خرج فيها أغلب قاطني البلدة باتجاه حواجز حزب الله المحيطة، وطالبوا بإدخال المواد الغذائية وإنهاء الحصار.

بالطبع، لم يكن الحزب اللبناني سعيداً بالضجة الإعلامية التي أُثيرت حول حصاره وتجويعه للمدينة، فبدأت تهديداته “بالقتل وقص الألسن” تصل مؤمنة وغيرها من الناشطين، وهو ما دفعهم بنهاية المطاف للرحيل حرصاً على حياتهم وحياة عائلاتهم، لينتهي بذلك عامان شاقان من الحصار والنضال السلمي الذي لم يعرف الملل أو التعب.

يتحدث عمر عن أيام الحصار وعن عمل مؤمنة وتجمع ضمة: “كانت أيام الحصار صعبة للغاية ومات فيها كل أمل لدينا، لكن مؤمنة لم تدخر وسيلة لتشجيعنا على العمل ومساعدة الناس وإيصال صوت معاناتهم. هي القوية الضعيفة التي تبكي لبكاء طفل وتناضل بقوة الرجال. لا يمكنني أن أنسى صورتها وهي تمشي في الثلج لتفتح أبواب مركزها التعليمي للأطفال المحاصرين أو لتساعدنا في حملاتنا الإعلامية. مؤمنة كانت قادرة على أن تبتكر وتصنع أشياء من لا شيء فكنا كل يوم نقف متفاجئين أمامها”.

ورغم صعوبة الرحيل القسري وقساوة رحلة النزوح التي دامت ساعات طويلة وشهدت تفجير حافلات وتوتراً أمنياً عند معابر تبادل الحافلات في منطقتي الراموسة والراشدين، رفضت مؤمنة الاستسلام عند وصولها لإدلب. فبعد الوصول تقول مؤمنة “استقريت هنا مع زوجي واثنين من أطفالي بعد وفاة ابنتي الكبيرة وزواج الثانية وسفرها إلى ألمانيا، وبدأت باتباع دورات إعداد مدربين ولغة انجليزية، كما التحقت بقسم العلوم السياسة في جامعة رشد، ولا أزال مصرة على النضال كي أعود لمدينتي الزبداني”.

مضيفة “تعرضت للكثير من الخسارات في حياتي٫ شهدت وفاة ابنتي آية، واستشهاد أخي جهاد، ودمار منزلي، وغربتي عن أطفالي لعامين متتاليين. مع ذلك لا أرغب في الخروج من سوريا أو الابتعاد عن مدينتي أكثر. أريد الاستمرار في النضال لأجل الوصول لهدفي في بناء السلام وحقوق الإنسان بشكل سلمي”.

مقالات ذات صلة